اسماعيل بن محمد القونوي
45
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
أن حاصل الأوّل أنه من قبيل الاستعارة التبعية حيث شبه إعراضهم عن الحق المانع عن نفوذه بالوصف الخلقي للشيء المانع عما هو مطلوب من ذلك الشيء في التمكن والاستقرار لم يصرح به المشبه به بل كنى عنه بالختم المسند إلى اللّه تعالى فإن الاستعارة بدون ذكر المشبه به في المصرحة وبلا ذكر المشبه في الاستعارة المكنية لم يقل بها أحد من السلف . قوله : ( وإنما المراد بهما أن يحدث في نفوسهم ) جزم بكون المراد ذلك لقرينة ذكرناها آنفا وفي التعبير بقوله في نفوسهم رمز إلى ما ذكرناه فإن الظاهر كون المراد « 1 » الأرواح وإن أطلقت على القلب أيضا كما سيجيء بيانه في قوله تعالى : وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ [ البقرة : 9 ] الآية . والإحداث الإيجاد وفي التعبير به دون الإيجاد إشارة إلى أن هذا الإيجاد ليس على أصل الفطرة بل هو بسبب إخلالهم بالهدى الذي جعله اللّه لهم بالفطرة التي فطر عليها الناس وأشار إليها بقوله بسبب غيهم الخ . فما نقل بعض المحشيين عن بعض الصوفية فأعيان الكفار لا يمكن إيجادها إلا على ما هم عليه من التجافي والبعد عن الحق كالبهائم فإيجادهم على خلاف ذلك محال إذ الاستعداد أزلي فائض من فيضه الأقدس فظاهره مخالف للآيات والإخبار قوله إن يحدث مبنى للفاعل لأنه توضيح لختم وإنما لم يقل أحدث مع أنه الظاهر إذ الاستعارة التبعية المستعار منه فيها هو المشتق منه وكذا المستعار له كما ستطلع عليه ( هيئة ) تمرنهم على استحباب الكفر والمراد بالهيئة الحال المعنوي الذي هم عليها والتعبير بالهيئة وهي العرض لكن العرض يقال باعتبار عروضه ويقال الهيئة باعتبار حصوله في المحل لمناسبة الهيئة الحاصلة من الختم الحقيقي فيكون مجازا هنا في الحالة المذكورة تمرنهم من التمرن وهو الاعتياد يقال مرن على الشيء مرونا من باب قعد ومرانة بالفتح إذا اعتاده وداوم عليه فيكون التمرين التعويد والمعنى تعودهم تلك الهيئة وتجعلهم مصرين والتوصيف به للاحتراز عن الهيئة الغير الممرنة أي المعودة على ذلك فإن الأفعال الاختيارية تحدث في الأنفس أحوالا ولذلك يفيد تكريرها ملكات كما صرح به المصنف في سورة الإسراء في قوله تعالى : وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً [ الإسراء : 13 ] الآية . وقال في سورة التطفيف فإن كثرة الأفعال سبب لحصول الملكات كما قال عليه السّلام : « إن العبد كلما أذنب ذنبا حصل في قلبه نكتة سوداء حتى يسود قلبه » فقوله تمرنهم احتراز عن الحالة التي لا تصير ملكة فتعبيره بالهيئة إشارة إلى تلك الملكة القائمة بالنفوس والأرواح فإذا صارت ملكة استولت على القلب وأخذت بمجامعه فيصير كالأمور الطبيعية التي جبل عليها الإنسان حتى يصير بطبعه مائلا إلى المعاصي مستحسنا إياها مبغضا لمن يمنعه عنها مكذبا لمن ينصحه فيها وبهذا يتضح سر قوله « 2 » ( تمرنهم على استحباب الكفر والمعاصي واستقباح الإيمان والطاعات ) وهذا
--> ( 1 ) وهذا أولى من قولهم والمراد بالنفوس الذوات المشتملة على الجوارح والمشاعر فيتناول القلوب والسمع والبصر إذ المدرك هو الأرواح . ( 2 ) قوله على استحباب الكفر إشارة إلى إفساد تلك الهيئة القوة النظرية والمعاصي إشارة إلى إفسادها القوة العملية وكذا قوله واستقباح الإيمان فاتضح عطف قوله المعاصي على الكفر والطاعات على الإيمان .